أبي منصور الماتريدي
54
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقيل : قوله : بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وذلك أنهم حين قالوا : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] . وقوله : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ، [ يحتمل قوله وُقِفُوا عَلَى النَّارِ أي : حبسوا إذ لو وقف حبس « 1 » ] « 2 » ، والنار لا يوقف عليها ، بل يكون فيها ما قال - عزّ وجل - : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [ الزمر : 16 ] وقال : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [ الأعراف : 41 ] ويحتمل الوقف عندها قبل الدخول في حال الحساب للمساءلة ؛ كقوله : احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ . . . الآية [ الصافات : 22 ] وَلَوْ تَرى أي : لو ترى ذلهم وخضوعهم ، كقوله : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ [ السجدة : 12 ] ولم يذكر « 3 » جواب « لو » ، وقد يترك جواب ( لو ) لما يعلم ربما [ يعلم ] بالتأمل أو بالذكر ؛ كقوله : لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [ النور : 12 ] بمعنى ظننتم ، أو على ما ذكر في موضع آخر ؛ نحو قوله : قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا وكذلك قوله : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ « 4 » [ النور : 10 ] وغير ذلك ، فلعل معناه : لو ترى ذلهم بعد استكبارهم لرحمتهم على ما هم عليه ، ولهان عليك التصبر لأذاهم ، ولأشفقت عليهم . ويحتمل قوله : ولو ترى ما ينزل بهم من نقمة الله ، ويحل بهم من عذابه ، لعلمت أن القوة لله جميعا ، وأنه بحلمه ورحمته يملي لهم ويسترجعهم ؛ كقوله : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ البقرة : 165 ] . ويحتمل أن يكون جوابه فيما ذكر من تمنيهم العود ، وندامتهم على ما سلف منهم ، وشدة تلهفهم على صنيعهم لرأيت ذلك أمرا عظيما « 5 » ، وجزاء بالغا ، لما يكون « 6 » ما ينزل بهم أعظم عندك مما تلقى منهم . وقد يخرج الخطاب لرسول الله على تضمن تنبيه كل مميز وتبصير كل متأمّل ، والله أعلم .
--> ( 1 ) ذكره ابن جرير ( 5 / 174 ) وبمعناه ذكره الرازي في تفسيره ( 12 / 157 - 158 ) وابن عادل في اللباب ( 8 / 90 ) ، والبغوي في تفسيره ( 2 / 92 ) . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في ب : يبين . ( 4 ) زاد في أ : إنما يجيب ل « لو » . وفي ب : إنما يجب ل « لو » . ( 5 ) في ب : كافيا . ( 6 ) زاد في ب : أو يكون .